Sunday, May 19, 2019

مفتاح السعادة

اللهو شيء و السعادة شيء آخر وما أكثر اللاهين غير سعداء!
أنا أحيا في دنيا أحلام حيث الشمس على مدار السنة قد يظن المرء أن الناس في مكان زاه لاه كهذا هم أسعد من غيرهم. فان كان هذا ظنك فإن لديك أفكارا مغلوطة عن السعادة.
كثير من الأذكياء يساوون السعادة باللهو. والحقيقة أن لا قاسم مشتركا بين اللهو والسعادة، فاللهو هو ما نمر به خلال فعل ما، أما السعادة فنشعر بها بعد إنقضاء الفعل، وهي إحساس أعمق وأكثر ديمومة.
الذهاب إلى متنزه للتسلية أو إلى مباراة في الكرة أو مشاهدة فيلم سينمائي أو برنامج تلفزيوني، كلها نشاطات لاهية تعنينا على الإسترخاء إلى حين، ونسيان مشاكلنا وقد تجعلنا نضج بالضحك لكنها لا تأتينا بالسعادة لأن آثارها الايجابية تتلاشى إذ يتوقف اللهو طالما راودتني فكرة أن الدور الذي يجدر بنجوم هوليوود أن يؤدوه هو تعليمنا أن السعادة لا شأن لها باللهو هؤلاء الاشخاص ذوو الثروة والجمال يجدون على الدوام سبيلهم إلى حضور حفلات رائعة وإقتناء سيارات فارهة وبيوت باهظة الثمن وكل ما يشي بالسعادة لكن المشاهير في سردهم سير حياتهم يميطون اللثام عن التعاسة المتوارية خلف لهوهم وعبثهم، فتبرز الكآبة وإدمان المسكرات والمخدرات والزيجات الفاشلة والاولاد القلقون والوحشة القاتلة.
إن تشبث الناس بوهم أن الحياة المترعة باللهو والخالية من الآلم تساوي السعادة يقلل فرص بلوغهم السعادة الحقة فموازنة اللهو والمسرة بالسعادة هي مثل موازنة الآلم بسوء الحظ لكن الحقيقة ان خلاف ذلك صحيح: فالامور المفضية إلى السعادة تشتمل في غالب الأحيان على مقدار من الآلام.
ويترتب عن ذلك أن أناسا كثيرين يتحاشون المساعي التي تتضمن ينبوع السعادة الفعلية أنهم يرتعدون خوفا من الألم الذي تحمله أمور كالزواج و تنشئة الصغار والنجاح المهني والالتزام الديني وعمل الخير والتحسين الذاتي.
أسأل رجلا أعزب عن سبب عزوفه عن الزواج، على رغم أن مواعدة الفتيات لم تعد ترضيه، فسيخبرك بأنه يخشى الارتباط فالارتباط في الواقع موجع وحياة الأعزب ملأى باللهو والمغامرات والإثارة من كل لون وفي الزواج لحظات من ذلك كله، لكنها قطعا ليست سمته
وعلى نحو مماثل، الأزواج الذين يستنكفون من الإنجاب يأخدون قرارا باللهو المريح على حساب السعادة التي تحمل الآلم هكذا يمكنهم أن يتناولوا العشاء خارج المنزل كلما أرادوا، وأيسافروا أينما شاؤوا وأن ينعموا بالرقاد إلى الظهر.
أما الأزواج آباء الرضع وأمهاتهم، فيندر أن يناموا ليلة كاملة أو أن ينعموا بقضاء عطلة وأني لا أعرف أبا واحدا يصف تربية الاولاد باللهو.
لكن الازواج الذين يقررون عدم الإنجاب محرومون من لذة ضم الاولاد إلى الصدور ومعانقتهم، أو دسهم في الفرش ولفهم بالأغطية ليلا وتفوتهم متع مشاهدة الولد يكبر كما تفوتهم متعة ملاعبة الأحفاد إني أستمتع باللهو من دون ريب فأنا أهوى لعب كرة المضرب وممازحة الصغار ولدي هوايات شتى لكن ضروب اللهو هاته لا تزيد من سعادتي فالأمور الاكثر صعوبة، مثل الكثابة وتربية الاطفال وحفظ رابط حميم مع زوجتي وعمل الخير في هذه الدنيا تمنحني سعادة لا ألقاها في شؤون اللهو، أقل الآمور ديمومة.
أن فهم إنفصال السعادة الحقة عن اللهو وقبول هذه الحقيقة إنجاز عظيم محرر أنه يحررنا من إسار الوقت، فنقوى على تكريس ساعات أكثر لنشاطات تزيدنا شعورا بالسعادة وهو يحررنا من غل المال، اذ أن شراء تلك السيارة الجديدة أو هذه الملابس المبهرجة لن يمنحنا إحساسا بالسعادة وهو لذلك ضرب من العبث وهو يحررنا من الحسد، فندرك أن جميع هؤلاء الاثرياء الاخاذين الذين كنا نوقن أنهم سعداء لأنهم يلهون كثيرا ويمرحون، ليسوا سعداء بتاتا وما أن نعي أن اللهو لا يجيئنا بالسعادة حتى نسارع تسيير حياتنا في إتجاه مغاير وتكون النتيجة أحيانا إنقلابا حقيقيا.
                                             ■ دنيس براغر

No comments:

Post a Comment

Note: Only a member of this blog may post a comment.

مفتاح السعادة

اللهو شيء و السعادة شيء آخر وما أكثر اللاهين غير سعداء! أنا أحيا في دنيا أحلام حيث الشمس على مدار السنة قد يظن المرء أن الناس في مكان زاه ل...